المقريزي
80
المقفى الكبير
فقال : من ترون توليته ؟ قيل له : رجل يعرفه أمير المؤمنين ، وهو الحارث بن مسكين . قال : اكتبوا بولايته ! فورد على الحارث كتاب تقليده القضاء وهو يومئذ بالإسكندريّة ، فلمّا قرأه امتنع من الولاية . فجبره إخوانه على قبوله وقالوا : نحن نقوم بين يديك . فقدم الفسطاط وجلس للحكم في مجلس القضاء من المسجد الجامع في يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين ومائتين . واستكتب محمّد بن سلمة المراديّ ، وولّى على [ 483 أ ] أموال السبيل والغيّب ، فحمله أصحابه على أن كشف على القاضي أبي بكر محمد بن أبي الليث فأمر به ، وكان يوقف كلّ يوم بين يديه ويضرب عشرين سوطا ليخرج ما وجب عليه من الأموال التي كانت تحت يده ، فأقام على ذلك أيّاما حتى كلّم الحارث في ذلك ، وقيل له : لا يحبّ للقاضي أن يتولّى مثل ذلك ، وإنّه لقبيح بالقاضي فعله ، فخلّى عنه وترك مطالبته . ودعي الحارث إلى لباس السواد ، وهو يومئذ شعار الدولة العبّاسيّة ، فامتنع من لبسه لأنّه كان أمويّا « 1 » ، فخوّفه أصحابه سطوة السلطان له ، وقالوا له : يقال إنّك من موالي بني أميّة . فأجابهم إلى لباس كساء أسود من صوف ، وقيل : بل استمرّ على الامتناع ، فكتب الأمير إلى المتوكّل بذلك . فورد كتابه : إن لم يلبس فاخلع وركيه ! فأمر به الوالي أن يحضر برسول بعث به إليه ، فلقيه محمد بن سعيد ، والرسل تزعجه وقد وله . فدنا منه وقال له : يا شيخ ، لا يهولنّك ما ترى ، فإنّ إبراهيم عليه السلام أسلمه أهل الأرض فلم يضرّه ذلك لمّا كان اللّه له . فاعتنقه وقال : أحييتني يا أخي بهذا الكلام ، فأحياك اللّه سعيدا . وأقرأه الوالي كتاب المتوكّل ، فامتنع من لباس السواد . فقال شيخ من ناحية المسجد : إنّ الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب الفرجيّة « 2 » التي تعمل باليمن . فقال الحارث : بل إنّي ربّما ألبسها . فقال له الوالي : فالبسها ! قال : أمّا تلك ، فنعم . فقنع منه بذلك وكتب به إلى المتوكّل ، وخلّى عنه . قال ابن قديد : وكان الحارث مقعدا من رجليه ، فكان يحمل في محفّة في المسجد الجامع ، وكان يركب حمارا ، متربّعا . وأمر الحارث في ولايته بإخراج أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعيّ من المسجد ، وأمر بنزع حصرهم من العمد . وأنزل عامّة المؤذّنين وأخرجهم من الأذان . ومنع قريشا والأنصار أن يدفع إليهم من طعمة رمضان شيء . وحوّل سلّم المؤذّنين إلى غربيّ [ 316 أ ] المسجد . وبلّط زيادة عبد اللّه بن طاهر التي في المسجد ، وأصلح سقوفه ، وبنى سقاية في الحذّائين ، وأمر ببنيان رحبة ملاصقة لدار الضرب ليتّسع الناس بها . وحفر خليج الإسكندريّة ، ونهى عن تقبيل المصايد ، فأبيحت للناس . ومنع من النداء على الجنائز وضرب فيه . وضرب [ 483 ب ] القرّاء الذين يقرءون بالألحان . وكشف أمر المصاحف التي
--> ( 1 ) كان أمويّا بالولاء . ( 2 ) في المخطوط : العرحية ، وفوقها : كذا .